ابن ميمون

259

دلالة الحائرين

يح [ 18 ] المقدمة الثامنة عشرة : [ ان كل ما يخرج من القوة إلى الفعل فمخرجه غيره وهو خارج عنه ضرورة ] ان كل ما يخرج من القوة إلى الفعل فمخرجه غيره وهو خارج « 48 » عنه ضرورة ، لأنه لو كان المخرج فيه ولم يكن ثم مانع لما وجد « 49 » بالقوة وقتا ما ، بل كان يكون بالفعل دائما . فإن كان مخرجه فيه وكان له مانع فارتفع ، فلا شك ان مزيل المانع هو الّذي اخرج تلك القوة إلى الفعل . فافهم هذا . « 50 »

--> كما بينوه في المنطق ، ومنهم من فسر المتحرك من تلقائه بالمتحرك الّذي لا يكون سبب حركته خارجا عنه قاسرا بل يكون إما داخلا فيه أو متعلقا به ، وهم المحققون من الحكماء ، فعلى هذا يدخل فيه الفلك والنبات والحيوان والبسائط المتحركة بالطبيعة ، وتخرج عنه الحركات القسرية والعرضية ، وهو الّذي اختاره صاحب الكتاب ، ومنهم من شرط في هذا التفسير أن تكون تلك الحركة بالإرادة فتخرج عنه الحركات التسخيرية وهي حركة النفس النباتية ، والحركات الطبيعية ، وتبقى الحركات الفلكية والحيوانية فحسب ، وأنت مخير في هذه الإطلاقات إذ لا مشاحة في الألفاظ ، وإن كان الأشبه هو ما ذكره في هذا الكتاب . ( 48 ) خارج : ت ج ، شيء خارج : ك . ثم : ت ج ، ثمة : ك ( 49 ) وجد : ت ج ك ، وجب : ن ( 50 ) ( الشرح ) : هذه مقدمة شريفة عظيمة النفع ، تحتها أسرار لطيفة ، ومعان دقيقة فلنبسط الكلام فيها فنقول : ان كل ما يخرج من القوة إلى الفعل يكون على ثلاث مراتب : الأولى : منها أن يكون ذلك الشيء معدوما فيصير موجودا مثل أن الحرارة معدومة في الماء ولكنها قابلة للوجود فإذا أوجدها الفاعل صارت موجودة فيه ، فيقال إنها خرجت من القوة إلى الفعل . والثانية : هو أن يكون الشيء موجودا بالفعل في ذاته ويمكن أن يكون له صفة ما إما صورة أو عرض ولكنها لا تكون موجودة فيه ، فيقال لذلك الشيء الموجود بالفعل بحسب إمكان حصول تلك الصفة له : إنه بالقوة كذا فإذا وجدت له تلك الصفة يقال : إنه صار بالفعل ، مثل الماء فإنه موجود بالفعل في ذاته ، ويمكن أن يتصف بالحرارة فقبل وجودها له يقال : إن الماء حار بالقوة فإذا وجدت له يقال : إنه صار حارا بالفعل . والثالثة أن يكون الشيء موجودا بالفعل كامل الذات تام الصفات ويمكن أن يحدث منه شيء آخر لا موجودا فيه بل مفارقا عنه ، فقبل حدوثه عنه يقال لذلك الموجود إنه فاعل للشيء الآخر بالقوة فإذا حدث عنه يقال له صار فاعلا له بالفعل ؛ وهذا القسم عظيم الشأن جدا ، والكلام فيه طويل ، والاختلاف فيه كثير ، ويبنى عليه كثير من أمهات المسائل : مثل حدوث العالم وقدمه . فلنتكلم أولا في القسمين الأولين ثم نلوح إلى الثالث تلويحا يليق بهذا الموضع ونذكر تمامه في المقدمات الآتية إن شاء اللّه تعالى فنقول : كل ما يخرج من القوة إلى الفعل على الوجهين الأولين فله مخرج يخرجه من القوة إلى الفعل ، لأن ذلك الشيء ممكن لذاته ولمحله ، فنسبة الوجود والعدم إليه على السوية ، فيحتاج إلى مرجح يرجح وجوده على عدمه ، ومرجح وجود الشيء على عدمه مخرج له من القوة لا محالة ، وهذا المرجح المخرج قد يكون خارجا عن ذات ذلك الشيء الّذي هو بالقوة كالنار بالنسبة إلى الماء ، وقد يكون داخلا فيه ساريا ، مثل القوى